قصة قصيرة
دفع بكل هدوء الطاولة التي كان يتناول عليها طعام العشاء وقد بدت على وجهه علامات الصدمة
! فهو لم يكن يتوقع أن يكون كل هذا حقيقة .. حقيقة مطلقة
كان صدرها يعلو ويهبط من كثرة البكاء وكانت طفلتها تصيح بلا توقف في يدها
البرد كان قد وصل أطرافها الصغيرة فلم تعد تطيقه والجوع قد تمكن منها لا محالة
عيناه اللتان جالتا المكان عدة مرات لترى بأن هذه الحجرة الصغيرة ملأت بجوفها هؤلاء الرجال .. أبوها وأخوانها
وهي تقف بحيرة وكأنها هي الأخرى لا تريد أن تصدق ما يجري
فتمالك نفسه التي لازال يظن بأنها لا تقهر .. وخذوهم بالصوت .. واسبقوهم .. و .. و .. هذا كل ما تمكن من رأسها لحظة فتحه لفمه ليتكلم وقال لوالدها : عمي أنت تعلم وقد قلت لك سابقا أنا لا أملك المال
فأجابه بإختناق محاولا بلع ما تبقى من نوبة غضب مجنونة أحضرته في ثواني إلى شقتهما : إذن المسألة مسألة مال
كان يختنق بغضبه أما هي فقد كانت تختنق بآمالها وأحلامها .. نظرت إليهما بإشمئزاز وكأنها للتو قد اشتمت رائحة تلك الطبخة النتنة
فكانت المسرحية التي كان لها معنى آخر بالهندية وهي طماشة هو مادار للتو أمام عينيها

مر شريط آلامها وتحملها لضرب ذلك الرجل .. مر متثاقلا يلطم خدها ليدخر آخر صفعاته مشتركا مع الزمن لإضافة صدمة جديدة إلى رصيد صدماتها

!!كل هذا لم يكن حبا .. لم يكن ضرب الحبيب زي أكل الزبيب
لم تكن غيرة عمياء علي ولا على بيته
ولم يكن غضب اكتنز في صدره منذ طفولته
ولم يكن بسبب السجائر
ولا الطعام
ولا أطفالي المزعجين
!ولا خادمتي الغبية
كنت أضرب وبشدة حتى إن جسدي لا يلبث أن يودع أثر ضربة حتى يقوم بنحت أخرى بكل جنون
!كنحات محب .. وأنا منحوتته الملهمة
!!وأنا ظننته الحب
ضحكت في نوبة قهر حطمت عروقي في غضب وحملت صغيرتي كما تحمل القطة صغيرها من رقبته غير مبالية ما إذا اختنق بين أنيابها
أم لا
وسرت نحو الباب دون وداع هذه المرة ... ففي كل مرة أصل إلى الباب بتهديد ووعيد بأنني قسما سأهجره ليصفعني صائحا فضحتينا عند الجيران
كان يخشى الجيران أكثر من خشية الله .. كان يضربني ويشد شعري آملا في أن يقتلعه بيداه الغليظتان
ويدفعني نحو الحائط حتى كاد الحائط أن ينقلب إلى عجينة رأفة بي
ناهيك عن كل ما يمكن أن يصل إلى يده في هذه اللحظة من طاولة أو سلك كهربائي
أو علب سميكة .. وربما صحون
من يدري الأمر أشبه بلعبة السحب والحظ حليفك في كل مرة
كنت أظن بأن كل تلك الندبات التي تظهر في وجه الممثلة التي تلعب دور الزوجة المعذبة مبالغ بها .. لكنني كنت قد رأيتها فعلا في وجهي وعلى جسدي .. لا .. لم يكن مبالغ فيها .. بل .. ربما ..
!قام الماكيير بتخفيفها مراعاة لمشاعر الآخرين

المال .. كان كل هذا من أجل المال
اهتز رأسي وكأنني أحاول طرد الأفكار المريضة التي راودتني
!قبل أيام أخبرني بأنني كل شي في حياته وبانه كان يحبني
هل كانت تلك تجربة نفسية يدخل نفسه فيها ليقنعها بواقعه ؟
!أنا من يجب أن يحتملها حتى السنة القادمة ليتمكن من سداد قرضه ويأتي بآخر ليطلقني
!!!أم كان يضربني حتى
يريد تطفيشك .. قالها شقيقي بعد أن أعادني صوته للواقع .. وأنا أجلس إلى جانبه والصدمة قد قلبت لوني الأصفر الشاحب إلى أبيض ماسخ لا جمال فيه
ٍماذا ؟ أجبته بصوت باك
هززت تلك القطعة الملفوفة بيدي علها تتوقف عن البكاء ..
أختي أنا رجل .. وأعرف أن الرجل حين يضرب زوجته بسبب وبدون سبب هو لأنه يريد تطفيشها لتطلب خلعا فلا يدفع ثمن تطليقها
ارتجفت دون رغبة مني في إكمال حديث الإعدام هذا ونظرت إلى ساعتي التي توسخت بالكامل ومسحتها بعصبية

راودت خيالي بعض الخيالات عن الأيام السابقة كيف كنت غاضبة أتغنج وهو يراضيني ويرسل لي رسائل قصيرة قائلا أحبك في ذلك المقهى وأبادله نظرة باردة
!!لأنني أتغنج
! تبا
لم كنت أتغنج؟
كنت أظن بأنه كان يعيها ويقولها قاصدا ، كيف لي أن أعرف بأنني أهدرت أيامي مع رجل لم يكن يحبني ؟
رجل رفع غطاء الجدر في هذه الليلة ليخرج والدي ما تبقى منه بملاسه الذي افتقد الحكمة .. لكن كل هذا تبخر .. لأن عمره ما تبخر .. تبخر واحترق أيضا
وصلت .. أنا جائع .. قاطعني أخي مرة أخرى بعد ان ركن السيارة .. حملت طفلتي وقفزت هاربة نحو الباب وقد أكل الصداع ما تبقى من رأسي .. وكما تجري العادة بعد كل شجار يومي أحمل أغراضي وأدخل بيت أهلي وينفض المولد وينصرف كل إلى غرفته ليكمل ما استوقفته حفلتي أنا والرجل الذي تزوجته .. كنت سألقبه بحبيبي أو زوجي لكن بعد ما سمعته ..
!!!لا أظن ذلك
أقسمت على ان لا أفتح ملفات هاتفي حتى لا تظهر لي صورته وأن لا أرى رسائله ولا حتى أسمع صوته المسجل بل سأبقي كل شيء مغلقا حتى إشعار آخر

سأتحجر .. ولا يهم فعلا إن كان الناس سيلقبونني بإسم أو يشبهونني بحجر عليه رسم لآلهة صينية أم أغريقية
أم سيضرب بي مثلا في الصلابة والتحمل .. كل ما أعرفه هو إنني سأتحجر أم ربما سأحجر على نفسي وأنفاسي
ولن أقاوم إحساس الغريق الذي يغمرني في كل مرة لأهوى أنا الحجر في قعر المحيط المزمجر
فهذه المرة أعرف من أين سأجمع قواي لأنني وفي لحظات سذاجة مني كنت سأصبح شهيدة الحب
فقد كنت أظن بأن الضرب وسيلة حب أخرى
والخنق وسيلة حب
!وشد الشعر وسيلة حب
!ولأنه رجل .. والقطة تأكل ألسنة الرجال فعبر بدوره عن حبه بساعده ورجله
هذا ما كنت أظنه .. وأحاول أن أدفع بنفسي نحو ذلك الظن
! ..ولكن .. تبين أن بعض الظن كذب
! مجرد كذب
لم تكن أحلام وردية .. لم تكن لحظات غضب
كانت ثلاثة آلاف دينار
حتى كل دينار فيها بغضب ينطح الدينار
فحياتي كانت مجرد مصادمات كنت أسميتها مصادمات حب
صراعات حب .. سنعيشها ونضحك عليها حين نكبر معا
لكن لا أعتقد بأننا سنكبر .. لنعيش
أو نعيش لنكبر ..
أو سنكبر لوحدنا .. أو حتى معا
فأنا إوزة قد كسر جناحها وعدت إلى تلك البحيرة تتبعني إوزات صغيرة يطعمها المارة .. منبهرين بذلك المنظر الملائكي
ولا يعون ما تحت ذلك الريش الأبيض من أضلع مهشمة
!كان الحب قد أتي على آخر ضلع فيها .. حتى أسماها الدهر بذات الضلع الأعوج

كان يسخر مني حين أقول بأنني أحسد سيدتي مريم العذراء لأنها أشبعت غريزة الأمومة فيها دون ان يمسسها بشر وكم هي محظوظة لأنها بقيت عذراء حتى عرجت الروح إلى بارئها ، كان يقول لي وهل كنت ستبقين دون رجل
أجيبه بأنني أود أن أبقى بلا رجل لولا جريمة أمنا حواء وتفاحتها الملعونة ولولا أن الله قد خلق هذه الأجساد أقفاصا لأرواحنا بعد ان عصينا الله وظننا بأننا لا نقهر ونستطيع فعل ما نشاء
كنت أود أن أبقى بلا رجل لولا أن الله عاقبنا بكم .. وحتى يضمن عدم هروبنا منكم زرع فينا نقمة الامومة التي لا تحدث إلا معكم وجعل من اولادنا عدو لنا .. ومنكم ألد أعداءنا
ولولا حب الله لسيدتي مريم لحكم عليها بأن تكون تحت ظل الرجل لكنها ولطهارتها أهداها طفلا دون أن تدنس جسدها الشريف وتخلطه بجنس آخر
وهل ستكونين مريم العذراء حين أتركك ؟ يمكنك أن تجرب ذلك
وستبقين دون رجل فأجيبه بكل سذاجة بأن جدتي كانت تردد مثلا أعجميا كونها ليست عربية بأن بخت بخت أول وتخت تخت أول أي أن الحظ هو الزوج الأول والسرير هو السرير الأول للمرأة
وأنا مؤمنة بذلك وسأظل أؤمن بذلك ما حييت
فلن يمسسني بشر طالما قد سرحت بلا إحسان وحتى وإن كان بإحسان فلست مغامرة ولن أكون
وسأعتكف في محراب أولادي على أمل أن أموت بعذرية سيدتي مريم وألف بكفن طاهر
ويغلق ملفي قبل أن يفتح !أو أن يعيد صياغته رجل آخر |