
إهداء لكل من هجر وطنه في وطنه
رجال من ورق .. ونساء من شموع
المنفى أسم لطالما أعتبر قصاصا لمن هم مرتدون ومتمردون ، فكل من أردنا له العذاب ودفعه للعيش بألم بعيدا .. غريبا .. وحيدا .. ونرميه بالغربة .. والغربة كربة .. فنزيد بكربته كربا .. وكم هي كبيرة على من يملك ذرة من الولاء أن يغترب في بلاد الله دونا عن بلاده .. وأن يعيش في جوف حائط أجنبي .. وأن تضمه أحضان غريبة .. وتطعمه أيدي جديدة
" حال الاغتراب حل يفرضه سلطان جائر على الظالم والمظلوم "فكم من عاكف على ذنبه في آخر أيام عمره
وكم من ظالم عاش بيننا وكأنه لم يذنب
والدفع إلى الغربة يحتاج إلى قلب قوي يحتمل دموع المهاجرين وصيحات احتجاجهم ودعاء المظلومين منهم ، هناك من يمكنه التعايش على أرض غريبة ومنهم من يموت ببطء ويجف كزهرة زرعت في تربة لا تناسبها
الهجر والنفي منذ الأزل سمعنا بهما .. فهناك أدباء وشعراء من المهجر .. ونفي فلان لجريمة وهاجر فلان لوقوع الظلم عليه .. فالهجر أحيانا لا يكون إجبارا بل اختيارا .. اختيار لا يقوم به صاحبه إلا أن فقد من بعد كل شيء الأهل والخوان
أعجب لكوننا بشر نحيا على قصص الهجر وننام على نكبات النفي ! ونحن فقط جنسان .. وفوق كل ذلك لا نطيق بعضنا .. نحن فقط جنسان .. ومشاكلنا قد تعدت حدودنا
أعجب كيف يخال البعض بأن القلوب مساكن عمودية وضعت على حيطانها إعلان" شقق للبيع " فمن أراد سكنها .. ومتى أراد هجرها
حتى البيوت المهدمة تبكي أسوارها متى غادر أصحابها فكيف قلوب البشر ؟ كيف تهجر دون إنذار يذكر ؟ كيف تترك ؟ وكيف عندنا الرأي ينحر ؟ كيف نأخذ قرار الهجر ضد أي إنسان سخر نفسه لنا وأحبنا ؟ كيف للعقل أن يصدق ما قد يحدث في أمر هجرنا
حتى المحكوم سلفا يسمع إقرار المحكمة بحقه وبعدها يحق له أن يستأنف .. فمن نحن حتى نحرم المهجور من طلب الاستئناف ؟ من نحن حتى نقتل أحلامه ونجعله يحرق أوراقه ؟ويضج بدموعه .. ويشد بحسرة شعره .. ويكتم صوته .. ويضيق صدره .. فقد حان هجره .. قصاصه .. ذنبه الغير مغفور .. وذنبه الغير مقرور
ذنبه الذي لم يرتكب سواه .. سوى أنه أحب .. وسخر نفسه لمغرور
على هذه الأرض التي امتلأت بخطايانا .. نعيش نحن الجنسان فقط .. فماذا لو كنا عدة أجناس مررنا بقصص حب وهجر .. وزجر .. وزواج وطلاق .. وخطبة وفسخها .. بتنا أناس نعيش على نعي الأحاسيس وسماع آهاتها و الهجر في الحب لهو افتراء على متعة أوقاتنا .. فكأننا أجرمنا وحان الوقت لمحاسبتنا .. ونتهم زورا .. والقصاص هو إبعادنا
كيف لنا أن نقوم بكل هذا .. والسؤال الذي يقتلني كيف لنا أن نسمح لأنفسنا بهجر غيرنا دون مراعاة لأحاسيسهم .. وأن نقرر عنهم
ماذا لو لم نكن بشرا .. ؟ فهل سيكونون الرجال ورقا .. كتبوا بحبرا .. أزرقا .. أم أخضرا
ونساءنا .. هل هن شموعا .. تذوب دموعا .. ؟!وتهجر .. علانية ً .. وطوعا
حالما تنتهي
رجالنا من ورق .. ونساءنا من دموع .. وهجرنا بات فوق مشاعرنا مرفوع .. كأن قلوبنا تسكن جيوبنا نخرجها وقت نشاء ونردها بخشوع .. ونبتسم إذ أتقنا دور المحب حتى في إحساس الخضوع .. بئس ما قررنا .. بئس نفوس تعيش عيشا خدوع .. وكذبا أردناه حبا .. وحبا رفض الرجوع
|